الخميس، 6 أغسطس، 2015

رأيت المدينة ٣-دي هذه المرة

ذات يوم، اختفت المدينة. لا ادري متى حدث ذلك بالضبط. ربما كنت اغسل الصحون يومها، او ربما حدث ذلك ذات صباح تحت الدوش البارد، او لعل المدينة اختفت في إحدى رحلات الاسيد الصيف الماضي. لا ادري، وكل ما اعرفه الان، انني ذات مرة شعرت بأن المدينة اختفت، ولم أعِر الأمر اي اهتمام. لكن بعد ذلك بفترة، صار اختفاء المدينة واقعاً مرعباً. صار كابوسا وبؤرة سوداء تطفو حولي اينما رحلت وحطيت. حدث ذلك في اواخر الخريف او اوئل الشتاء الماضي، حين عقدت العزم على تربيع ساقي والعودة إلى كتابة مسودة رواية عن المدينة توقفت عند فصلها الرابع عندما حدثت الـ2011. حين حضرت يومها للكتابة - واتذكر انه كان يوما ملبدا بغيوم لها اشكال مضحكة- حملت مخطوط الفصول الاولى وبدأت في قراءته لأدرك على الفور بأن المدينة اختفت، تلاشت، او ربما غطاها الشعر الكثيف على رأسي. في بادئ الامر لم افهم ما حدث. كنت متأكدا أن المدينة هنا في رأسي، وكل ما احتاجه لاسترجاعها هو الدوش البارد، لكني حين عدت للكتابة بعد الدوش، وجدت ذاكرتي مبتلة، وحين تبخر الماء على رأسي وجسدي، ادركت بأن المدينة قد تبخرت ايضا.
*
لم يستوعب الروائي في داخلي اختفاء المدينة، ولوهلة حسبها قلة الرغبة في الكتابة او عدم القدرة على التركيز او ربما في اسوأ الحالات تكون "رايترز بلوك"، لكني حين عدت في تلك الايام لقراءة ومشاهدة اخبار المدينة بعد زمن مر على انقطاعي عنها، حين بت ارى صور وفيديوهات المدينة في نشرات الاخبار وواجهات المواقع الالكترونية، لم احس بذاك الولع والقلق اللذين رافقا ذاكرتي معها دوما، او لأكن اكثر صدقا وأقول بأنني لم احس بشيء ابدا. قد تكون المدينة بمفهومها، منحصرة في الاماكن العامة والازقة المتراصفة والساحات الحديثة والاقبية العتيقة والمشاة بملابسهم التقليدية والبنية التحتية واسطورة وزارتي الكهرباء والسياحة، بينما ان حضرت في ذهن الروائي، فهي المخيلة.
ولسنوات طويلة حافظت على المخيلة، وغذيتها بالذاكرة والموسيقى الشعبية. شغفي بها وانا خارجها صار يفوق شغفي بها عندما عشت فيها. عشت فيها خمسة عشر عاماً، وقضيت السنوات الست او السبع، بعد خروجي منها، في البحث عنها في الكتب والمخطوطات والمتاحف والمواقع القديمة في صفحات الانترنت. جمعت العديد من الصور وخزنتها في ملفات متفرقة على هارد درايف بحجم سطاش گيگا.. طرقت بيوت اناس عاشوا هناك في زمن ما لأسمع حكاياتهم واسجلها صوتا وكتابة. كنت مشبعا بالمدينة، وكانت ذاكرة حياتي فيها واضحة اكثر حتى صار في امكاني استدعاء تفاصيل يوم بعد آخر منها، وأن تراودني في الليل منامات مدغدشة: طرق تمتد وتراب واعمدة عمارات وروائح، حتى بانت لي خيوط رواية، وشخصيات وحوارات من ليالي الخميس الطويلة، وكنت ممتلئاً بالمدينة، واغاني المدينة، حنين الى زمن عشته واخر لم اعشه فيها.
كانت في رأسي حكايتان تدوران في ذات المكان ولكن في زمانين مختلفين: الأول ديستوبيا للزمن الذي عشته فيها، والآخر يوتوبي لزمن قديم تخيلته. ولأنني في بيئة من الناس عصير يومهم كأس من الزمن الجميل، كان من الطبيعي ان اغرق في نوستالجيا الحنين الى الزمن الجميل. فالنوستالجيا امر مهم للروائي، وبالاخص ان كان يكتب باللغة العربية، وحتى ان كان يكتب نصا عن الغربة في مقهى في ايدجوير رود.
صورة المدينة العتيقة في الرواية الحديثة امر أورجازمي بحق، والكتابة عنها لذيذ كالاستمناء. اتذكر أني قضيت تلك الايام الاولى في الكتابة من دون القدرة على التوقف. في الواقع، كنت كلما اردت التوقف وجدت نفسي مسحوباً بحكاية اخرى. لم تكن المدينة في يوم من الايام حاضرة في مخيلتي بهذا الشكل الذي عشته اثناء الكتابة عنها. انها الرحلة ذاتها التي ربما انتجت العديد من الروايات المهووسة في كل سطورها بالتنقيب والبحث في أسرار المدن. انها الطاقة نفسها المحشوة بالخوف والحنين والاضطراب، ادوات الروائي الناجح.
لكن الامور تبدلت بعد حين، ولم تعد الرواية وحكاياتها مسلية. نشرات الاخبار ايضا لم تعد مسلية.. و"عندما استيقظت المدينة ذات صباح، بعد ليلة مضطربة، وجدت نفسها وقد تحوّلت إلى بالوعة"(*)..
*
اختفت المدينة اذا، ولا ادري متى حدث ذلك بالضبط. ربما كنت اغسل الصحون يومها، او ربما حدث ذلك ذات صباح تحت الدوش البارد، او علها اختفت في احدى رحلات الاسيد في الصيف الماضي. لا ادري. ومن ثم ايقنت بأنها اختفت، ولم يعد في مقدوري القيام بأي شي.
حين عثرت في الاسابيع الماضية على مخطوط الرواية في الهارد درايف السطاش گيگا، رفقة ألبوم الصور، قرأته، واستمتعت ببعض فصوله بينما لم تسترعِ انتباهي الحكاية أبداً.
لكن أمراً غريباً حدث يومها، وهو في الواقع ما دفعني للبدء في كتابة هذا النص. اذ انني حين كنت اقرأ على مهل فصلاً طويلاً في وصف المدينة، بان لي كل شيء واضحاً تماماً كما كان من قبل.. فجأة هكذا عادت لي الذاكرة، ملونة، لكنها هذه المرة كانت مختلفة تماما. كنت أرى الشوارع، كل منها يطفو على حدة. الساحة التي تجمع بينها كانت تطفو بعيداً على حالها. اعمدة العمارات ايضا تطفو، اشجار النخيل وتمثال الغزالة وقوس ماركوس كلها تطفو. السراي وسينما الخيام واشياء اخرى كثيرة - نسيت اسمها - كانت كلها تطفو.

- ألقيت هذه الورقة بنسختها الانكليزية في ندوة "المدن المختفية في العالم العربي"، ضمن فعاليات مهرجان شباك للثقافة العربية المعاصرة - لندن 2015
--

(*) عن كافكا – بتصرف.

الثلاثاء، 17 فبراير، 2015

وحش الفاك يو


لا يعتبر ريكي نفسه عنصرياً. بالطبع، أنتم تعرفون معنى مصطلح العنصرية، وبطبيعة الحال، سنضعها في قاموسنا الدماغي تحت خانة الشر أو المصطلحات العيبية كما يحدث في الجملة التي تلي جملة وضعت فيها هذه الكلمة في وسائل الميديا. ريكي لم يكن يعتبر نفسه عنصرياً، وما يدفعنا للجزم بذلك، أنه مثلي ومثلك ومثل الكثيرين أيضاً، حين يقرأ هذا المصطلح أو يسمعه، يسارع بوضعه مباشرة تحت خانة الشر والمصطلحات العيبية.
كذلك، فإنه لم يصوّت يوماً لأي من الأحزاب اليمينية. إنه لا يؤمن بالانتخابات كأداة للدلو بصوته في بلد يتغير فيه رئيس الوزراء مرة كل بضع سنين. أما العنصرية، فبالنسبة له أمر مجهول يؤمن به قوم من التافهين والفاشيين. إنه لا يمانع شراء الحليب في الصباح وعلبة سجائره من محل مجاور يديره إخوة من ذوي البشرات الداكنة. كنت سأقول بأنه يشتري جريدته الصباحية من هنالك أيضاً، لكنني تذكرت بأن تعرفي على ريكي وقربي له في مرحلة ما كان بسبب مشاركتنا الرأي في أن متابعة الميديا، شراء الجرائد ومطالعة المواقع الإخبارية، هو مساهمة في بقاء هذا الكائن الذي يعيش جراء الحروب والمتغير دائماً حسب المال ومركز القوة ومصالح الممول وعواطف رئيس التحرير. ريكي، حين رأى مرة مسيرة مناهضة للوجود الأجنبي في وسط المدينة، أشعل سيجارة وقال لمتسول وقف بجانبه لشرب الشاي إن هؤلاء كلهم حمقى… المتسول نظر باستخفاف لهذا الكائن العبثي جنبه وقال إن لهؤلاء الحق أيضاً في التعبير عن غضبهم من أجانب جاءوا وسرقوا منهم وظائفهم. قالها المتسول وانتظر ردة فعل ريكي. ريكي هنا رمى بسيجارته ودعس عليها بحذائه ثم قال: ليفعلوا ذلك بأسلحة حقيقية ويسحلوا هؤلاء الأجانب من وظائفهم إلى المطار أو البحر، ثم مضى مبتعدا. هذا هو ريكي إذن، لكنه لم يكن ليخرج ماسكاً سلاحاً حقيقياً لطرد العمال في المحل المجاور لبيته. ربما إذا أتى له أحد الإخوة في المحل المجاور لبيته مرتعشاً بعد أن حرق الناس محله وسحلوا اخوته خارجه بسبب لونهم، فإنه سيستقبله في البيت ويعتني به. سيخاطر بحياته ويسكنه في العلية إذا حدث وانتصر “الفاشيون” حسب صحف المعارضة أو “الثوار” في الصحف المؤيدة. من المتوجب حماية هذا الإنسان المسكين المعرض للقتل أو التعذيب فقط بسبب لونه، ولكن لا يجب محاسبة الفاعل لأن نظرته لما يحدث مختلفة عن الآخر. هذه لا تسمى عنصرية، هذا واقع مفروض لأن العالم وصل مرحلة الانهيار وكل هذه السنين التي نعيشها ما هي إلا لاستعباد الفرد من أجل الوقوف طيلة حياته ماسكاً عواميد تثبّت سقف بيت منهار. هل فهمتم ما يحاول ريكي أن يرمي إليه بأفكاره تلك؟ حين جرّب مرة ورفع رأسه ليرى السقف الذي قارب على الانهيار أحس بألم في رقبته. كان ينظر أمامه مباشرة طيلة ثماني وثلاثين سنة من عمره، وتطلّب الأمر شهورا ًعديدة أو ربما سنوات حتى صار قادراً على رفع رأسه للأعلى واكتشاف أن لا وجود لسقف قابل للانهيار. إن الذين يصيحون عليهم من الأعلى للتشبث بالعمود لم يكونوا هناك.
قال ذلك لأصدقائه المتحلقين حول العمود فقالوا له أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين؟ قال جئتكم بالبينات ثم اتخذتم العمود من بعدي وأنتم ظالمون. ثم أدار ظهره وذهب ومن خلفه ناداه قومه ساخرين ومتحسرين.
جلس في بيته وشرب علبة من البيرة وأحس أنها أول مرة يشرب فيها البيرة براحة تامة. رمى التلفاز خارجاً وصار يسمح لرجال الإذاعة الوطنية بالدخول إلى بيته والتأكد بأنه لا يملك تلفازاً كي لا تتم محاسبته لعدم دفع رسوم رخصة التلفاز. كانت تلك أول مرة يكتشف فيها ريكي سخافة الفكرة، سخافة قنوات الاذاعة الوطنية ورخصة التلفاز وكل شيء حوله. بعض الكتب التي احتلت جزءاً من الصالون وضعها امام باب البيت في صناديق وألصق على الجدار فوقها إشارة تطلب من الناس أخذ ما يعجبهم منها، مضيفاً في السطر الثاني إنه رغم ذلك لا ينصح احداً بقراءتها حتى يأتي رجال النظافة ويأخذوها في حاويات سياراتهم مع باقي النفايات. حين كتب رجال النظافة تساءل لم لا يوجد نساء نظافة في بلد تتساوى فيه المرأة مع الرجل. اختفت الكتب في مساء اليوم نفسه، واكتشف بأن الإشارة التي كتبها كانت اعلاناً ممتازاً للكتب. تجمّع الجيران حول بيته يومها وباتوا يضحكون لدى قراءة ورقة الإشارة ويأخذون الكتب دون النظر إلى عناوينها حتى أن بعض الجيران قاموا بمنشن له في مواقع التواصل الاجتماعي مرفقة بالصورة وابتسامة خفيفة والعديد من اللوووول في التعليقات المدرجة تحتها، فخلد إلى سريره تلك الليلة وهو يفكر في أمرين اثنين: الإعلانات ومواقع التواصل الاجتماعي. من بعدها لم يعد له حساب في أي منها، وكف عن شراء أي غرض لمحه في إعلانات قطار الأنفاق او اليافطات في الطريق السريع ومدخل المحلات التجارية. العديد من المواقف المشابهة حدثت بعد ذلك في عديد من المسائل الحياتية، جعلت من ريكي يقلع عنها، أو يتخذ تجاهها موقفاً تُبنى عليه حياة جديدة. حين يخرج من فراشه كل صباح، كان يحس بجسده خفيفاً، وحين يعود إليه ليلاً يحس برأسه ثقيلاً. لكن لا أحد يعاف منه أو يخافه. لقد أحس بأنه كان في السابق كائناً مكتئباً، ووقف عند مصطلح مكتئباً لبعض الوقت قبيل أن يقول بأنه في الواقع لم يكن مكتئباً، بل درامياً وتراجيدياً كأي شخص آخر. الشخص بسبب ملله من الوقوف ماسكاً العمود سيلعب دوماً دور الضحية، أو كلما تسنى له ذلك على الأقل، لأن مسك العمود أمر ممل حقاً. لكنه مؤخراً، بات أكثر قرباً للناس. بات يراسل معظم أصدقائه بشكل دوري، يملأ الرسائل بالكثير من الابتسامات والجمل التفاؤلية، وكذلك يحرص على رفع معنوياتهم. إنه لا يفكر أثناء كتابة الرسالة، بل يكون مبتهجاً إلى أقصى حد ولو كان وقتها في أكثر المراحل التفكيرية كآبة. تلك المرحلة التي يمتد فيها عقله حتى يلامس العدم وماوراءه، الماجدوى، ومئات الأسئلة والتساؤلات. يفكر ريكي في أن ذلك يخفّف عنه الشعور الدائم بالذنب تجاه الآخرين ولو كانوا مَنْيَكين، كما أنها لعبة ذات تقنية عالية للتخفيف من الحصار العقلي. لقد اكتشف ريكي أن الشخص يحس بما يريد أن يحس به، وأنه في مقدور الإنسان أن يتحكم في عقله إن أراد ذلك، رغم أن المفعول لن يدوم أكثر من ساعات قليلة أو يومين في بعض المرات النادرة، وكلما انتهى المفعول يقوم بتمرينات أخرى تعيد له روح التفاؤل… وحين يتعب من هذه التمرينات يظل بعيداً عن الأصدقاء، لا يخاطبهم أو يحدثهم إلا عن طريق الرسائل النصية والإيميلات، المليئة طبعاً بالابتسامات ورفع المعنويات. لريكي معنويات مرتفعة حقاً، والكثير من أصدقائه أو زملائه في البار حيث يشتغل يشيدون بروحه النقية والمرحة. في كل مرة يبتسم لهم، وصوت ما في داخله يقول فاك يو اول. يسمع هذا الصوت داخله ولكن يطمسه على الفور قائلاً في نفسه أن سماع إطراء كهذا تجاهه أفضل مليون مرة من أحد يسبه، لهذا يبتسم بدوره ويعانق محدثه قائلاً إن الناس الطيبين من أمثالك هم من يجعلون لي هذه الروح النقية، ويستمر ذاك الصوت الذي يقول فاك يو فاك يو في داخله ولكن ريكي لا يسمعه. حقيقة لا يسمعه. وحين اشتد عليه الغضب مرة في العمل بسبب الازدحام وسوء الإدارة أحس بأن صوت الفاك يو المكتوم في داخله سينفجر في أي لحظة. سيتمزق جسده وتخرج منه خفافيش الفاك يو وتهاجم الزبائن وزملاء عمله وربما تنهش المدير وتلقي به من نافذة البار إلى الشارع الرئيسي المكتظ بالسيارات. إن وحش الفاك يو العظيم سيتسلق مبنى البار إلى الأعلى ويقف على حافته معلناً حالة الفزع والرعب في المدينة. سينهار كل شيء فجأة ولن يقدر رجال الشرطة العاديين في الشوارع على إمساكه. سيخرج الجيش إلى وسط المدينة. طائرات الهيلكبتور تطير على مسافة قريبة من الأرض باحثة عنه أعلى البنايات وفي الغابات ومكبات النفايات. الميديا بالطبع ستكون حاضرة، وعواطف الممول أو رئيس التحرير ستكون جياشة جداً خوفاً على مدينته المنكوبة. سيصرخ أحدهم من الأعلى على الذين يمسكون العمود قائلاً إنهم الآن في حاجة إلى مزيد من القوة حتى لا يقع العمود وينهار السقف. الذين يمسكون العمود سيسارعون للتشبث أكثر به وهم يبكون ولا يدرون. حتى الإخوة في المحل المجاور سيشترون أعداداً مضاعفة من صحف الصباح التي على صفحتها الأولى صورته وهو متحول بالكامل وتخرج من فمه خفافيش الفاك يو.
إلى أين ستذهب إذن يا ريكي؟ العالم صغير جداً، كيف استطاع المرء أن يحصر عالماً ضخماً كهذا، وما الجدوى من كل هذا؟
لا يعلم ريكي ولا يجد أجوبة للسؤال. لقد انتشلته الأرض وابتلعته ورأى نفسه قبيل رفعه لرأسه كي يرى السقف، وفكر إن لا بأس في أن يظل المرء جاهلاً، ومن ثم تدارك الأمر وتساءل إن كان هو حقاً الآن على دراية وكيف باستطاعته أن يجزم بذلك. ربما يكون أو لا يكون، وربما الشرطة والميديا وإخوة المحل المجاور كانوا على دراية. بالطبع دراية على دراية تختلف، وما يميز الشخص عن باقي الشخوص انه مختلف؟ ولكن من المختلف؟ ماذا عن الاعلانات والميديا والذين كذبوا علينا بحجة السقف القابل للانهيار؟ كانت الاسئلة تلف به، والارض تبلعه الى اسفلها، ولم يكن يهتم للوقوع، لأنه سيظل في الهواء هابطاً إلى تحت ويعرف أن لا وجود لهاوية، أن سقوطه هذا وسرعته وقربه للنهاية ما هو في الاصل بنهاية. إنه LOOP طويل كأي أمر آخر في هذه الحياة. حين فتح عينيه، كان الليل كاحلاً، وجسده غارقاً في الطين والماء. لم يعرف أين هو الآن بالضبط. الأشجار حوله كثيفة، والمطر يصب بغزارة. ملابسه ممزقة والألم في ذراعيه وساقيه. نظر حوله باحثاً عن شيء ما وقع منه. لم يعثر على موبايله في جيبه، وفكر في أنه منذ زمن أراد التخلص من الموبايل ولكن عمله بالبار كان الرادع لذلك. مشى بضع خطوات وصوت الرعد يهز رأسه. وجد خيمة ملونة تحت إحدى الأشجار الكثيفة فراح اليها وتفحصها من الخارج. صاح إن كان هنالك أحد.
كنت وقتها داخل الخيمة أحاول جاهداً النوم بعد أن قضيت اليوم كله في التفكير حول أشياء لن يبدو سردها هنا منطقياً. جاء صوت ريكي فأحسست بالرعب في أول الأمر. لم يكن هذا صوت مارسيليو او سمانثا اللذين يقطنان في خيمة لا تبعد كثيراً عن خيمتي. شلت الغطاء من على جسدي. مسكت المصباح، أشعلت ضوءه وفتحت أزرار الخيمة. بان أمامي ريكي مبلولاً، يرتجف وعيناه ذابلتان. خفت أن أدعوه للدخول أول الأمر. مضى على بقائي في هذه الغابة عشرون يوماً لم أر فيها احداً سوى صديقي، لكن لغرابة الموقف دعوته للدخول بعد أن طلبت منه خلع كل ملابسه في الخارج ووضعها في كيس مددته له. حين قام بذلك وجلس في الخيمة ذات السقف المنخفض جداً أعطيته بوكسر داخلي وضيفته بعض الباسكويت وعصير برتقال. اعتذرت منه عن عدم قدرتي على تحضير الشاي له أو أي شيء ساخن بسبب المطر الذي بلّ كل الحطب الذي جمعته ظهيرة اليوم. قابل اعتذاري باعتذار مماثل بسبب دخوله علي الخيمة في هذا الوقت المتأخر وهذا المظهر الغير لائق. ما معنى لائق؟ قلت له بشيء من السخرية. ابتسم لي وقال، صحيح، ما معنى لائق؟ لم نقل شيئاً بعد ذلك. حين توقف المطر أعد نفسه للخروج دون الاكتراث بأنه لا يرتدي شيئا سوى البوكسر. لم أكن قد ارتحت له بعد ولكن لم يكن من اللائق أن أجعله يخرج بهذا الشكل، ثم تساءلت بسخرية في داخلي عن معنى لائق، ومن ثم طلبت منه البقاء. قال بأن الخيمة صغيرة ولن تسعنا كلينا، أفسحت بعض المجال وقلت له بأنها الآن تسعنا كلينا. لم أنم ليلتها. في أول دقائق الصباح حين سمعت بضعة عصافير تزقزق، وحين صعدت الشمس السماء، خرجت من الخيمة واكتفيت بارتداء السروال، بينما ظليت عارياً من فوق تاركاً قميصي بالقرب من رأس ريكي كي يرتديه عوض الخروج من الخيمة عاريا بالكامل. لم يكن للأمر أي علاقة بلياقة ما. وضعت على كتفي حبلاً وفي جيبي سكيناً. مشيت حافياً إلى الجزء الآخر من الغابة، حيث اكتشفت البارحة وجود منخفض في أسفله العديد من الأشجار والتي جزمت بأنه من الصعب أن تصلها مياه أمطار الليل. كانت مهمة شاقة جداً بسبب الأشجار ذات الأشواك المسننة. قطعت عدداً لا بأس به من الأغصان الجافة ولفيت الحبل حولها ووضعتها على كتفي كحقيبة. مشيت على مهل لأن اليوم دور مارسيليو للذهاب إلى السوبر ماركت في القرية القريبة لشراء الطعام والحاجيات. جلست عند البركة الصغيرة ودخنت بافرا على مهل، ثم ركبتني بارانويا أن ريكي لم يكن نائما طوال الليل وينتظر خروجي من الخيمة لسرقة حاجياتي والاختفاء. جريت عائداً وأنا أسحب آخر أنفاس من البافرا، وفي منتصف الطريق تمهلت قليلاً حين فكرت بأن لا شيء في الخيمة سوى الفراش وبعض الباسكويت والشاي وجهاز موبايل النوكيا ٣٣١٠. عدت إلى البركة وأشعلت بافرا أخرى على مهل، وركبتني البارانويا مجددا أن هذا الشخص قد يكون شرطياً سرياً أو شخصاً عادياً لا يعرف جوي والأصحاب في الغابة، وقد يدل الشرطة على مكاننا ونخسر كل ما بنيناه هنا طيلة العشرين يوماً الماضية. لكنني لم أسرع خطاي هذه المرة، بل أكملت البافرا على مهل وأشعلت أخرى، وذهبت عائداً قائلاً في نفسي WHAT’S THE POINT؟ كان ريكي لا يزال نائماً، وصحا من نومه لاحقاً على وقع صوت الأغصان وهي تحترق. حكيت لمارسيليو وسمانثا بعد أن عادا من القرية عن ريكي ولم يبديا أي أهمية للموضوع. حين استيقظ ريكي وخرج من الخيمة وجلس جنبنا، سلم علينا وقال إن اسمه ريكي، قلت  له بأنني علّقت ملابسه على الشجرة هناك في مواجهة الشمس، وإن في مقدوره أن يرتدي قميصي الذي تركته قرب رأسه. ابتسم وهز رأسه دون أن ينبس بكلمة. صبّت سمانثا الشاي في علب الفاصوليا الفارغة ووزعتها علينا، وقام مارسيليو بتوزيع الخبز. أكلنا وشربنا على مهل. حدثنا ريكي عن طرده البارحة من العمل وعدم رغبته في الذهاب إلى البيت وإنه ظل يمشي حزيناً طيلة الوقت حتى وصل الغابة. حكى كثيراً عن كل ما أخبرتكم إياه أعلاه رغم أنني غيرت صياغته كي يصير أكثر تسلية حسب زعمي. بدا ضعيفاً في لحظتها، ولكن كان ذلك النوع من الضعف الذي لا يحمل فيه أي نوع من التراجيديا أو لعب دور الضحية، بل كان لشخص يفكر بصوت عال أكثر من كونه يحكي لأناس التقى بهم للتو.
إنها مسألة معقدة. حين أفكر فيها، فإنني عادة لا أجدها في رأسي جسداً مكتملاً، بل قطعاً متناثرة تجعل من حكيها في الأصل ضرباً من العبث، أو عبثاً من الضرب. لقد مرت بضعة أشهر منذ أن التقيت بريكي أول مرة. سمعت من مارسيليو إنه يعيش الان في ذات الـ SQUAT الذي يعيش فيه غرب المدينة. يبيع الحشيش المغربي وحبوب الإكستاسي في حفلات الـ RAVE. وحش الفاك يو لا يزال يناوبه من وقت اإى آخر، لكنه لم يعد مكترثاً بالذين تركهم متشبثين بالعواميد.

الاثنين، 16 ديسمبر، 2013

كيف ينيك الصادق النيهوم؟


قصة قصيرة



في مديح زبي (1)

حين التقيت محمد السكاربيلو في الاسبوع الماضي باحدى حفلات السايكيداليك السرية شمال لندن، كان ذلك بالنسبة لي مفاجأة تستحق الاحتفال. فقد اختفى السكاربيلو منذ سبتمبر الماضي بعد رحلته الى كينيا، وسمعت من بعض الاصدقاء المشتركين بأنه تعرف على فتاة سنيغالية وقرر البقاء معها في احدى القرى الصغيرة. اصدقاء اخرون قالوا بأنه عاد الى ليبيا بعد ان استطاع تهريب كميات كبيرة من بودرة الام دي ام اي وبدأ في الترويج لها في البلاد. الا ان السكاربيلو لم يخبرني ليلتها اين اختفى. ولكنه طيلة السهرة، ظل متشائما من الوضع في ليبيا. وحاولت بالطبع – تحت تأثير مخدرات السعادة – ان اخبره بأن لا شيء يستحق ان نتشائم منه في هذه الحياة، وان الحياة اجمل مما نتصور... “ايه ايه... كابيش كابيش"، ظل يردد، ولكنه اضاف في احدى المرات ان التشائم لا ينبع من المشاكل التي دخلت فيها البلاد، ولا بسبب الميليشيات وتقاعس الحكومة وغيرها من الامور التي باتت ترهق الليبيون في هذه الايام، فبالنسبة للسكاربيلو، الوضع في ليبيا الان من الناحية السياسية "مليح لززب"... وان حلمه في بلاد اناركية بات يتحقق. ولكن تشائمه في الواقع نابع من هؤلاء الشباب الجدد، مشاهير الفيسبوك الذين يطالبون بدولة ونظام ودستور للبلاد، مرددا ان هؤلاء بالفعل لا يقدرون نعمة الوضع السياسي للبلاد اليوم، ثم بعد ذلك، قال لي: “تتذكر لما حكينا قبل على الصادق النيهوم كأهم الاسباب في تدمير الادب والفكر الليبي المتمرد؟" اجبته: “ايه".. قال وهو يأخذني الى جهة بعيدة عن صخب الموسيقى: “الي صاير اليوم سببه الصادق النيهوم". ثم جلسنا على كنبة سوداء كبيرة، وافرد السكاربيلو على الطاولة امامه قطعة رخامية اخرجها من جيب معطفه الثقيل، وسكب عليها البودرة البيضاء وبدأ في اعداد خطين رفيعين، متجليا في الحكي عن الاورجازم النخبوي الذي بات يظهر في ليبيا اليوم، من قبل شباب "تحسهم يستمنون كل ليلة على صور الصادق". مد لي ورقة من فئة العشرة جنيهات بعد ان لفهما. شميت خطا، ثم مددت له الورقة النقدية. شم السكاربيلو الخط الثاني، ثم هز رأسه بيأس.

***

يمكن القول ان محمد سكاربيلو لم يحب كتابات الصادق النيهوم يوما، ومذ تعرفي عليه في بدايات العام 2009، حين جئت الى لندن، كان يعتبر ما بات يسمى بـ الظاهرة النيهومية انتكاسة عظمى في الكتابة السردية والفكرية في ليبيا. وحين يقول ذلك لمحدثيه - وعادة ما يكونوا من الكتاب الشباب في ليبيا – يعتقد هؤلاء بأنهم على شفا بدء حوار معه حول ما اذا كان النيهوم يتبع السلطة ام المعارضة. بالاضافة الى كم الملايين التي استلمها من خزانة الدولة وما موقفه من المجازر التي ارتكبها النظام السابق. كل هذه المواضيع في واقع الامر لا تهم السكاربيلو، بل على العكس، حين يفتح موضوع كهذا يتحول السكاربيلو الى برو-نيهوم ويقول ان "الراجل لعبها صح وما ناكش فيها جو بطولة وزبي" . الا ان للسكاربيلو موقف حاد تجاه الصادق بسبب امر واحد فقط. امر يؤكد السكاربيلو انه السبب في كل المآسي التي يمر بها الكتاب الليبيون اليوم. السبب الذي يجعل وجود المثقف الليبي في ليبيا زي قلته.

***

اخبرني السكاربيلو ليلتها عندما التقيته بحفلة السايكيداليك، انه في منتصف العام 2010، كان جالسا مع اثنين من رفاقه الكتاب الشباب، احدهما اشتهر في الوسط الثقافي باسم "الشخصية" والاخر بـ "الغلام"، وهما بطبيعة الحال، وحسب الظروف في ليبيا يعتبران متمردان تشبعا بكل ما كتبه النيهوم. يقول السكاربيلو: "عادة ما كانت تدور بين "الشخصية" و"الغلام" احاديث حزينة حول مائدة البوخة عن الصادق النيهوم وغربته ونظرته الثاقبة الى المجتمع الليبي. بالطبع، تضفي "سعاد ماسي" لتلك الجلسات شيئا من الكآبة التي كان ينعم بها النيهوم، ويسعى اليها رجال النخبة في ليبيا كي يكتبوا ابداعاتهم على بروفايلات حسابتهم بالفايسبوك، ويحصون الليل كله عدد اللايكات والحرص على لايك الكومنتات فورا".

في تلك الليلة، وصل السكاربيلو حده. وشعر بأن عليه الافصاح عن عدم حبه للصادق الان.

قال: "ياولاد قصدي انتفخوا راهو م الاخير.. خلاص، الراجل مات.. اجبدوا ع الموضوع".

“لكن كتاباته حية" قال الغلام "وواقع انشوفوا فيه اليوم قدامنا يا برادر".

“اما واقع يا مان؟ قصدي الواقع قدامنا وعايشين في زك امه، علاش نقرأ عليه مادام اني عايش في زك امه، الززب".

“ضروري تقرا عليه باش تفهم الواقع الي انت عايش فيه الززب.. خيرك الززب يا سكاربيلو؟". قال الغلام

“لكن اني عايش فيه” كرر السكاربيلو قوله "علاش نقرا عليه مادامني عايش فيه، الززب؟ هذا سؤالي قصدي اني". 

“خلي تفهم العقلية الليبية، الززب". اجاب الشخصية

“انقوله عايش فيه يقولي افهمه... خيرك الززب يا شخصية.. تفهم من تينتك ولا كيف الراي؟" واضاف: “ قصدي النيهوم ياولاد جري بيكم من الاخير.. الاسطورة النيهومية خلاص، اكسبايرد لين قطنت. الصادق الي نايكين منه اسطورة لا متمرد لا زبي. وهو السبب الاول والاهم في البرود الجنسي الي يمر به المشهد الثقافي في ليبيا اليوم. بسببه صار عندنا جيل جديد من الكتاب المحششين لين متغششين. ثم اضاف بلهجة رسمية: “ قصدي لو بتجي للكلام الصح، راهو الفقش من اهم النظريات الي يفتقدها الادب الليبي اليوم، والاديب الليبي ناك همش هذا النوع الرائد من الفلسفات الشعبية على حساب نظريات ثانية ما تهمش زك ام الواقع الي عايشين فيه اليوم، زي الوجودية والبنيوية والحداثة والي جي بعدها".

وختم كلامه: “م الاخير... طلعلي حاجة وحدة بس كتبها النيهوم فيها نيك بالطريقة الفقاشية.. الواقع اليوم ان الكاتب الليبي محشش وتعب من التقرقيب.. وغير الواقع هذا كله كلام مفرخ.. اعطيني يا برادر نيكة وحدة بس كاتبها الصادق.. مش بس نيكة، حتى رضعة، لحس، بعبوص.. مافيش بالمرة.. حتى ايحاء الززززززب مافيش.. م الاخير... عندي احساس ياولاد ان الصادق اما ما ينوضش، او انه ينوض وهذا معناتها انه خايف يحكي ع النيك، وهكي معناتها ما كانش متمرد. او ممكن يكون Gay، وعادي راه كان طلع Gay.. ما فيش مشكلة.. لكن كان Gay وما يبيش يقول انه Gay معناتها ماهوش Gay.. قصدي معناتها مش متمرد".

النيهوميان في الجلسة عبرا عن امتعاضهما، وربما لم يأخذا كلام السكاربيلو بجدية. صرح "الشخصية" انه ما يرضهاش في الصادق. "الي ماترضاشي في روحك يا سكاربيلو ما ترضاشي في الناس”. اما الغلام، فقد قال ان كلام السكاربيلو لا معنى له، وعليه ان يراعي بأن كتابات الصادق فاقت الجنس مغامرة.. "تخيل يا سكاربيلو يجيك واحد يكتب عليك ويقول ان السكاربيلو زبه ابيض وصغير.. ترضاها في روحك؟". ضرب السكاربيلو فصا في الهواء وقال: تينتك.. زبي كبير ومافيش حد يقدر يغلط فيه. ابتسم الغلام وقال ان هذا الامر بين السكاربيلو ونفسه، ولكن لا احد بامكانه مستقبلا ان يتأكد من ذلك، ولذلك ربما سيأتي كاتب شاب في المستقبل ويكتب ان السكاربيلو يكتب عن النيك دائما لان زبه كان صغير وما ينوضش مما سبب له عقدة وجعله يكتب عن النيك في كل نصوصه. 

وقتها، وقف السكاربيلو من على كرسيه ورفع يده عاليا وصاح فيهما بأن "محمد سكاربيلو" الذي لم يخف يوما، وافنى حياته كلها في سبيل كتابة نص ادبي حقيقي لا يرضى بما سمعه عن زبه، ولن يسمح بأن يسجل هذا عليه.

بانت اسنان الشخصية وهو يبتسم. قال هامسا: "ابيض وصغير". غرقا الاثنان في الضحك.

اعتدل السكاربيلو في جلسته مجددا وقال للشخصية والغلام "كان تشوف زبي يا ميبون انت وهو تكتبوا على خاطره قصيدة مدح.

ضحك الغلام وقال انه مستعد للقيام بذلك في حال اخرج السكاربيلو زبه امام جمع المثقفين في مقهى فندق الصفوة مساء يوم الخميس.

"كلمة تريس يا مان؟" سأل السكاربيلو"...

"بتريس يا ميغو" قال الغلام.

الفلاش باك، ما قبله وبعده

كان الشخصية مقتنعا بأن السكاربيلو لن يملك الجرأة على تطليع زبه امام الملأ في فندق الصفوة، بينما الغلام، وان كان يشك في ذلك ايضا، الا انه كان يعلم بأن السكاربيلو لما يسكر راسه على موضوع ما، فسيقوم به ويبيع الدنيا على خاطره. وبالفعل، كان السكاربيلو ذاك النوع من الاشخاص الذين وهبوا انفسهم للمغامرة وحسب، وهذا ما اوصله الى لندن، وجعله يقيم اشهرا في شوارع برلين، وعمل لفترة طويلة في حقول العنب بالجنوب الايطالي. اكثر المهن التي اشتغلها السكاربيلو كان بيع المخدرات.. وقبيل سنوات قليلة، اقام في قرية كتاما بالمغرب ليشارك سكانها زراعة الحشيش وارساله في وقت لاحق الى ليبيا.. كما انه اول من ادخل حبوب الاكستاسي الى ليبيا، وهذه كانت مغامرة ممتعة – حسب تعبيره - تزامنت مع الاسابيع الاولى لانتهاء الحرب في اكتوبر 2011. كما انه موهوب في صناعة جوازات السفر وتقليد التوقيعات وصناعة الاختام. له العديد من من ا لدراسات الادبية في حقل النيك وموسيقى الترانس والكناوة المغربية والمخدرات المنقرضة، بالاضافة الى نصوص ادبية كثيرة كتبها على العديد من المذكرات الصغيرة، وجمعناها لاحقا في عدة ملفات وورد تحت عنوان "سلسلة ادب المنيكة". كما انه انتهى مؤخرا من كتابة المسودة الاولى لرواية قصيرة بعنوان “اخر ايام النقد” والتي يغطي فيها تاريخ مائة عام في بلد مجهول، عن طريق سرد حكايات عائلة من النقاد والاكاديميين. يقضي السكاربيلو معظم وقته في السفر وتدخين الجوانات، ويرفض نشر اي من كتاباته كي لا تتوزع على نطاق واسع ايمانا بأن النقد انتهى، وان مافيش حد يستحق أن يقرأ ما يكتبه الا القلة من المقربين منه ومن عالمه الليلي.

وبالنسبة له، فإن موضوع الصادق النيهوم ومهمة النيك صار من اولوياته، واراد ان يكتشف اغوار هذا الكاتب الذي لا تعرف نصوصه طعم الاورجازم. اخبرني ذات مرة بأن هذه الفكرة حول كتابات الصادق جاءته في الحلم.

شفت الصادق شاد زبه ويقرقب ويتكلم عن المرأة والديانات
يقول: "مرة في الحلم لقيت روحي في مبنى الصحافة والا في رابطة الكتاب، معش نتذكر وين بالزبط.. وشفت الصادق النيهوم جاي. من الاول حسبته ميشيل فوكو.. مش عارف علاش، مع ان الزوز ما يشبهوش بعض راهو.. لكن المهم شفت الصادق شاد زبه ويقرقب ويتكلم عن المرأة والديانات.. بعدين مش عارف كيف صار القيت روحي في فيتش كلوب معاه، وهو لابس اكحل ورابطينه... وواقفة وراه مرا بديلدو وتنيك فيه، وقدامه راجل يمصله.. لما نضت من النوم، كنت مكفوخ.. الليلة الي قبلها كنت نايكها سكرة شينة لزب، وقعدت اليوم كله نقرأ في كل كتابات الصادق الي عندي وعند اولاذ صحابي، ندور على نيكة وحدة في كتابات الصادق... ومالقيتش".

لم يتوقف السكاربيلو عند بحثه في كتابات الصادق وحسب، بل بحث عن رقما زوجتاه المقيمتان في مدينتين مختلفتين باوروبا.. ولم تكن هذه بالنسبة له مهمة صعبة.. اذ انه اتصل بصديق له مهووس هو الاخر بالصادق النيهوم وكتاباته، وقام بارسال الرقمين له في ساعات قليلة. وفي صباح اليوم التالي، رفع السكاربيلو سماعة الهاتف واتصل بزوجة النيهوم بحجة انه محرر الصفحة الثقافية في صحيفة اويا، وانه يود اجراء حوارعفوي وترويجي معها، لأن الشباب من الكتاب الليبيين يتساءلون حول تفاصيل حياة الصادق ليقلدوه قلبا وقالبا.. خاصة في التفاصيل المتعلقة باكلاته المفضلة والنكات التي يحبها واواقاته المفضلة في الكتابة، والافلام التي يكرر مشاهدتها والموسيقى التي لا يتوقف عن الاستماع لها... اعجبت زوجة الكاتب الكبير بهذا النوع الشبابي من الحوارات، وقالت بأنها تحتاج الى هكذا حوارات حميمية حول الصادق عوضا عن تلك الحوارات الاكاديمية والسياسية التي غرقت فيها مذ وفاته.

ملاحظة: اعذروني على عدم قدرتي على ذكر اي من الزوجتين كانت في الحوار التالي، وسأنقل لكم الحوار باللغة العربية الفصحى لاجتناب الوقوع في الشبهات. 

عودة الى الموضوع: بعد اربعة دقائق من الحوار العام حول حياة الصادق، بما فيها اكلاته المفضلة والنكات التي يحبها و اواقاته المفضلة في الكتابة، سألها السكاربيلو:

"كيف كان ينيك الصادق؟"

“عفوا!”

“كيف كان ينيك الصادق؟"

“أ.. لا اظن اني قادرة على سماعك".

“سيدة(..)... الصادق زوجك!”

“نعم"

“كيف كان ينيك؟ يعني ما هي وضعيته المفضلة للنيك؟"

“....”

“الو"

“....”

“سيدة (…)، هل تسمعيني؟"

“نعم..”

“و...”

“هل تقصد كيف كنا ننام مع بعض؟"

“ايه تقريبا"

“لا اظن ان هذا سؤال صحفي، ولا اظن ان لك علاقة بهذا الامر"

“اعرف، ولكن الكتاب الشباب في ليبيا لا يستطيعوا ان ينيكوا صاحباتهم بالطريقة التي يحبونها، كالدوغي ستايل او السكستي ناين لأنهم يحسون بأن كاتبهم المفضل لا يقوم بهذه الحركات، وانه ارصن من ان يلحس النونا... وهذا السؤال يطرح نفسه دوما في المجالس الادبية..”

“لا ادري في الواقع كيف اجيبك على هذا السؤال".

“حسنا، لنسهل السؤال.. كل ما عليك فعله هو ان تجيبي بنعم او لا..”

“كيف؟"

“يعني أن أسألك عن حركة، ولو يحبها الصادق قولي نعم وان لم يكن يحبها او لم تقومي بها معه، قولي لا".

“اه.. هل انت متأكد بأنه في امكانك نشر هذا الحوار في جريدة؟"

“بالطبع... الشخصية والغلام وباقي الشباب سيتحمسون جدا لمعرفة اجابة هذا السؤال".

“من؟"

“الشخصية والغلام وباقي الشباب المتأثرين بالسيد نيهوم"

“أه.. اوك" 

“ووتر سبورت؟"

“عفوا؟"

“يحب الصادق الووتر سبورت؟"

“ما هو الووتر سبورت".

“يعني... في الحمام تلعبوا بالماء مع بعض؟"

“لا.. نعم... لا اتذكر... لالا.. لم افهم السؤال".

“اورال سكس؟"

“عفوا؟؟"

"لحس ومــ..”

“اسمع... انا مضطرة للذهاب الان، لا اظن بأنني قادرة على اجراء هذا الحوار... باي باي"

الالم: تألم السكاربيلو بعد ذلك، فقد كانت هذه المكالمة امله الوحيد في الوصول الى اجوبة مقنعة حول هوية النيهوم الجنسية. لقد ظل السكاربيلو حريصا على ان لا يعطي اي احكاما مفصلية في علاقة النيهوم بجسده، وكان له بصيص من الامل ان النيهوم كان نياك كبير ولكن لأنه لم يكن متمردا حقيقيا، لم يستطع الكتابة عن تجاربه.

حكاية خارج سياق القصة: كتب النيهوم دراسة طويلة عن نزار قباني، ليسقط منه كل الهالات التقديسية على حساب شاعر مغمور وقتذاك. وحسب السكاربيلو، في تلك الليلة التي التقيته فيها بحفلة السايكيداليك، فقد اعجبته فكرة هذه المقارنة على اعتبارها بين شاعر سوري مشهور يكتب عن النيك بنظرة استشراقية خرائية واخر ليبي مغمور يكتب شعرا مليئا بالكأبة والنكد، ولكن التحفظ في كل الموضوع من وجهة نظر السكاربيلو ان النيهوم قد حاول ان يسقط المعنى النيكي في شعر قباني، وان كل الحساسية المنصبة في هذه الدراسة تكمن في ان" النيهوم منزعج من شهرة قباني بسبب خواطره الجنسية، بينما كتاباته المتعلقة بالنقد في القرأن والمرأة والتاريخ لم يلقى بسببها اي نوع من الشهرة خارج ليبيا".

في مديح زبي (2)

في الجزء الاول: 

وقتها، وقف السكاربيلو من على كرسيه ورفع يده عاليا وصاح فيهما بأن "محمد سكاربيلو" الذي لم يخف يوما، وافنى حياته كلها في سبيل كتابة نص ادبي حقيقي لا يرضى بما سمعه عن زبه، ولن يسمح بأن يسجل هذا عليه.

بانت اسنان الشخصية وهو يبتسم. قال هامسا: "ابيض وصغير". غرقا الاثنان في الضحك.

اعتدل السكاربيلو في جلسته مجددا وقال للشخصية والغلام "كان تشوف زبي يا ميبون انت وهو تكتبوا على خاطره قصيدة مدح.

ضحك الغلام وقال انه مستعد للقيام بذلك في حال اخرج السكاربيلو زبه امام جمع المثقفين في مقهى فندق الصفوة مساء يوم الخميس.

"كلمة تريس يا مان؟" سأل السكاربيلو"...

"بتريس يا ميغو" قال الغلام.

تكملة:

مساء يوم الخميس، اقتحم السكاربيلو مقهى فندق الصفوة. لم يستوعب جمع المثقفين ما يحدث، ولكنهم رأوا السكاربيلو يسحب زر بنطاله واخرج زبه امامهم. غرق كل من في المقهى في حالة صدمة ودهشة. قال السكاربيلو مخاطبا الشخصية والغلام الجالسان على طاولة “عبدالله مليطان" الشهيرة: “هذي العصبانة.. وولد قحبة فيكم الي ما يكتبش على زك امه قصيدة".

حسب السكاربيلو، فقد احدث هذا المشهد تغييرا جذريا في تاريخ الادب الليبي، وخير مثال على ذلك، ان الكتاب الطرابلسيون الذين حضروا ذاك اليوم لم يكتبوا شيئا على مدوناتهم ولا على صفحات الفيسبوك طيلة اسبوع. دخل الجميع في حالة صدمة وخوف.. ولم يتجرأ احد على تكرار ما حدث. حتى ان البعض اطلق شائعات هنا وهناك بأن السكاربيلو يشتغل في الامن الداخلي، و”احداث مساء الخميس” خير دليل على ذلك. اول كلام موثق عن الحادثة ظهر بعد اسبوع، في ستيتس كتبه "صابر الفيتوري" على موقع فيسبوك يدافع فيه عن وزير الثقافة "نوري الحميدي" قائلا: “واحداث مساء الخميس تشهد على وطنية هذا الرجل".

“ما دخل حكاية زبك في وطنية نوري الحميدي يا سكاربيلو" سألته.

“نوري الحميدي يومها كان عنده عزومة في حوشه وعازم الصبية متاعينه... ووعد بتكريم كل المثقفين الشباب.. وتزامن ذاك الوعذ مع لقطة زبي.. فالمهم بعد مقال صابر الفيتوري وصدمة المثقفين في فندق الصفوة صارت القصة اليوم ان نوري الحميدي طلع زبه للمثقفين الشباب في ليبيا".

الا ان السكاربيلو لم يعنه هذا الامر، فكل ما كان يسعى لاجله بتلك المغامرة ان يقرأ قصيدة مدح على زبه، ليكسب الرهان.. وبالفعل، استقبل السكاربيلو على بريده الالكتروني رسالة من الغلام فيها ملف قصيدة ثنائية مع الشخصية في مديح زبه، وقد ترجاه الاثنان اللا ينشرها بإسمهما. كان يعرف السكاربيلو ان جملته التي قال فيها للنيهوميان انهما سيكونان ولدا قحبة ان لم يكتبا قصيدة في مديح زبه ستجعلانهما اولاد قحبة حقيقة، ولذلك، حفاظا على صوره امهما الوقورتان، كتبا تلك القصيدة، والتي بدأها الغلام قائلا:

"من زبي الى زبك يا سكاربيلو / الف سلام وتحية"

هذه الفاتحة مدهشة كما سيخبرني السكاربيلو قبيل انطلاقنا الى الدانس فلور، اذ انها تعبر عن ذكاء صاحبها الذي لم ينفرد بالكتابة عن زب السكاربيلو وحسب، بل ذكر فيها انه له زبا ايضا، وان الغلام يكتب فيها من هذا المنطلق، وبذلك صارت القصيدة كلها حوار بين ثلاثة زبوب، وهذه ثورة حقيقية في تاريخ الفقش بليبيا.. خاصة ان القصيدة تستمر في طمنطاش البيت ليختمها الشخصية باكيا:

“وليالي الاستمناء على الاطلال يا زبي / طويصة يا عذاب الكرموس".